الإنسانُ، في نظر القدّيس بولس، هو عبدٌ. ولكنه عبد لأيّ شيءٍ؟

الحريّة في الكتاب المقدّس واللاهوت المسيحيّ

عدي توما / زينيت

ليس لدينا، وبعد عشرين قرنــــًا على وجود المسيحيّة، سوى فكرة غامضة عن أحوال الرقّ القديم. فالعبد لم يكن “شخصاً”، بمعنى أنه لم يتمتّع “بحقوق” تُؤمّن له حدّاً أدنى من الإستقلال الشخصيّ: العبدُ لا يملكُ نفسه وإنّ مصيره لا يضمنه أيّ تشـــــريع وليست له حقوق، إنه بمثابــــــــة “شيء”. وإذا كان هذا الشيء يعتبر أحياناً (ليس دائمًا) أكثر قيمة من الحِمار (عذراً) أو من المحِراث، فالسبب في ذلك يعود لا إلى “الكرامة” الإنسانيّة التي لا يُعترف له بها في الواقع، بل إلى الخدمات الرفيعة التي بوسعه أن يؤدّيها بفضل ذكائه. وهذا حقاً مصير مظلم، ولكن هناكَ بصيص من النور، إذ يمكن العبد أن يتوقّع من سيّده أن “يحرّره”، إذا كان هذا السيّد طيّب القلبْ. وإلاّ فأمل العبد هو أن يأتيه سيّد آخر يقدّره ويحبّه ويدفعُ إلى مالكه المتصلّب “فدية”  تعتقه وتوصله إلى الحريـــة.

الإنسانُ، في نظر القدّيس بولس، هو عبدٌ. ولكنه عبد لأيّ شيءٍ؟ للخطيئة والموت وأركان هذا العالم والناموس. تلك هي الكلمات الأربع التي تلخّص فكرة بولس على ما يبدو. سنراها الآن تدريجيّاً:

أوّلا: الإنسانُ عبد الخطيئــــة

 نشيرُ هنا إلى إنجيل يوحنّا حيث يعبّر المسيح عن الفكرة نفسها عندما يسمّي إبليس  “رئيس هذا العالم” 14 : 30. وما يسمّيه بولس “الخطيئة”، ليس هو عمل الذنب فحسب، بل هو تلك القوّة السريّة التي يحملها الإنسان في نفسه والتي تحرّضه على “أن يفعل الشرّ الذي يبغضه وأن لا يفعلَ الصالح الذي يريده” (رومة 7 : 15). وورد أيضاً في الفصل نفسه الآية 23 ما يلي : “أرى ناموسًا آخر في أعضائي يحاربُ ناموس ذهني وتجعلني إلى ناموس الخطيئة الكائن في أعضائي”.

 يمكن بكلّ تأكيد، على الصعيد النفسيّ، التحقّق من تلك العبوديّة للخطيئــــــة. وإذا ادّعــى الإنسانُ الذي يرتكبُ الخطيئة أنه يُثبت بذلك حريـــــــته، فإنه يتوهّم ويخدعُ نفسه، ويمكن أن يعودَ إلى الصواب بسهولة، إذا كانت نيّته حسنة. والحقيقة أنه إذا نظرَ في أعماق نفسه، يصبح مضطرّاً إلى الإقرار بأنه يعيشُ تجربة عبوديّته، أي، كما يقال في اللغة الدارجة، بدلا من أن يؤدّي عملا  حرّاً عندما يخطئ، فإنه يخضع للضغط والقسر، وذلك إمّا لأنّ الأهواء عنده أقوى من العقل، أو لأنه يتعرّض إلى إكراهٍ خارجيّ يزيحُ إرادته عن الطريق المستقيم ويــحوّلها إلى طريق الشرّ، وهو إذ يتّخذ موقــفاً داخليّاً يشجبه الجانب الطيّب من شخصيّته، يعترفُ ضمــــناً بعبوديّته للخطيئة.

ثانيا: الإنسانُ عبد موته

جاء في الرسالة إلى أهل روما ( 5 : 12) : “بإنسانٍ واحدٍ دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت”. وجاءَ أيضاً في الرسالة نفسها ( 6 : 23) : “لأنّ أجرة الخطيئة هي موت”. إنّ سلطانَ الموت، مثل سلطان الخطيئة، هو شـــــــــــاملٌ. ولا غروَ، فالإنسان صُنع لأجل الله الذي يستطيعُ وحده أن يؤمّـــــــــن حياته، ويمكننا الذهابُ إلى أبعد من تلك والقول، بأنّ الله هو “حياة” الإنسان. فإذا ابتعد الإنسان عن الله بالخطيئة، أصبحَ موته محتّماً. الموتُ إذاً ليس عقوبة قضـــائيّة وتحكّمية بحتة تــُفرَض على الإنسان لقاءَ خطيئته، بل إنه النتيجة المحتومة لتلك الخطيئة. ومثلُ الجسم الذي لا يستطيعُ العيشَ بدون أوكسجين، لذلك الكيـــــــــــان الروحيّ لا يمكنه أن يحيا بدون البيئة الإلهيّة التي صُنع من أجلها، أي إنّ الإنسان هو الذي حكَم على نفسه بالموت عندما حاد عن الله بالخطيئة.

ثالثا: الإنسانُ عبد لأركان هذا العالم (أو لعناصر هذا العالم)

ورد هذا القولُ للقديس بولس في أماكن متعدّدة من مؤلّفاته (غلاطية 4 : 3 – 9، قولسي 2 : 8 – 20) ولربّما بدا لنا ذلك غامـــضاً. والسبب هو أننا نسينا ما هو العالم الوثنيّ. إنّ الإنسان، الذي يعترك مع الخطيئة والموت والذي يتقلّب على رمضاء البؤس لأنه بائدٌ، يشعرُ وكأنه ألـــعوبة في يد مصيرٍ أعمى أو إله شرّير ويرزحُ تحت ثقل قوىً مظلمة يعتقد، في جهله، أنّ مقرّها في النجوم، فيحاولُ كسبَ رضى تلك القوى بممارسته أعمالاً سحريّة وخرافيّة، مخترعاً طقوساً دوريّة وأشياء محرّمة وقواعد صارمة وإمساك تنطبقُ كلّها على سير الكواكب والنجوم، ظنّا منه أنّ تلك الأعمال ستُجنّبه شرّ الرقيّات السحريّة.

رابعًا: الإنسانُ عبد الناموس

ويفكّر القديس بولس عندما يقولُ ذلك في الشعب اليهوديّ وأيضاً في سائر البشريّة عبر الشعب المذكور. الشعبُ اليهوديّ هو الشعب الذي اختاره الله وهو يعلمُ ذلك. وقد أعطاه الله ناموســـــــاً معقداً، منه القانون الأخلاقيّ الوارد في الوصايا العشر، ومنه القانون الطقسيّ الموجود في سفر الأحبار اللاويّين، وفي سفر تثنية الإشتراع، الذي ينظرُ إليه اليهود نظرة الوثنيّين إلى “أركان هذا العالم” (الخِتان، التمييز بين الحيوانات، مختلف أنواع التطهير). إنّ الناموس، في حدّ ذاته، صالحٌ ومقدّس (روما 7 : 12) ومن المفروض أنه كان لليهود بمثابة “ألمؤدّب الذي يوصلهم إلى المسيح” غلاطية 4 : 24. والمقصود بـــ”المؤدّب”، ليس الأستاذ الذي يُعلّم، بل العبد الذي يمسك بيد الولد ويقوده إلى المعلّم الوحيد يسوع المسيح. وكان يفترض أيضاً بالناموس أن يهيّئ الأرواح إلى التحرّر الذي ينجزه يسوع المسيح وحده.

Close Menu