شذراتٌ عن الحريّة المسيحيّة

الحريّة في الكتاب المقدّس واللاهوت المسيحيّ

عدي توما / زينيت

مرادفات الحريّة في العهد الجديد

في العهد الجديد، يجري الكلام على الحريّة تحت مسمّيات متنوّعة ومتكاملة:

– الإفتداء : الإفتداء هو “التخليص“؛ والكلمة اليونانيّة لها ليس لها معنىً تجاريّاً، كما لو أنه كان ينبغي دفع ” تعريفة” أو ” ثمن“، ولِمَن؟ هل لله الآب؟ للشيطان؟ لا ، فإنّ كلّ شيء ٍهو مجـــــانيّة في عمل الله، وفيض حبّ.

الإفتداء“، بالمعنى البيبليّ للكلمة، هو ردّ الحريّة إلى عبد، دون النظر إلى الثمن. هذا ما كان يحصل في الغالب من خلال دفع فدية، ولكن أيضاً بفضل السلوك الحسن لدى عبدٍ ما، أو بفضل تحقيق نجاحٍ ما، أو أيضاً عبر إنقاذه بمعركة : “لم يأت ابن الإنسان ليُخدَم بل لِيَخدُم، ويُعطي حياته فدية عن كثيرين”.

 يسأل الرسول بولس فيلمونَ في رسالته إليه، أن يردّ الحريّة إلى العبد المرتدّ ” أنَسيمَ”، لأنّ فيلمون نفسه كان قد خـــُلّص بقبوله بشرى الإيمان من بولس، وبالتالي، عليه دَينٌ تجاه الرسول؛ وإنطلاقاً من هذا الدَين، يسأله بولس أن يردّ الحريّة إلى أنسيمَ الذي كان قد أصبحَ “ليسَ عبدًا”، بل أفضل بكثير من عبد، أخاً عزيزا جدّاً، كقلب بالذات.

حريّة المسيح هي ينبوعُ تحرير … “مباركٌ الربّ إله إسرائيل لانه افتقدَ شعبه ونجّاه وخلّصه!” هذا ما ينشده زكريّا عند مولد يوحنا المعمدان (لوقا 1 : 68)؛ وعند التقدمة في الهيكل، “تتكلّم حنّة عن الصبيّ إلى كلّ الذين كانوا ينتظرونَ خلاص أورشليم” ( لوقا 2 : 58).

 لأنّ المسيحَ حرّ إلى ما لا نهاية (سنرى لاحقا حريّة المسيح)، أتمّ تحرير أسرى العبوديّة، وهذه الحريّة هي أساس الإنجيل: فعندما جرّب الشيطان يسوع قُبيلَ إنطلاقه في البشارة، أجابَ يسوع الموسوسَ قائلاً: “لا تُجرّب الربّ إلهكَ”، ويُعلّق لوقا على الحدث فيقول: “وعندما استنفد الموسوس كلّ تجاربه، ابتعدَ ….” (لوقا 4 : 13).

ومن علاقة يسوع بالجماهيـر نستخلصُ أنّ حريّته هي بيّنة: “وجازَ في وسطهم ومضى” ( لوقا 4 : 30). مرّات عدّة “كانت الجماهير تريدُ أن تمسك به وتحولُ دون أن يتركها”( 4 : 42)، ولكنّ يسوع، إذ كان يعلمُ أنها كانت ستأتي وتُمسك به لتعلنه ملكــاً، توارى…. (يوحنا 6 : 15).

نرى هنا إشارة رائعة لحقيقة حريّة يسوع، ولحقيقة الله أيضاً، التي كشفها لنا الابن يسوع: إنّ التواري – الإختفاء – عدم الإمساك به، عدم القبض على حريّته… إنها حقيقة الله السريّة، بأننا لا يمكننا مهما فعلنا، ومهما تعمّقنا في الدراسة، القبض عليه ووضعه في قفص فكرنا الضيّق. إنه سيتوارى عنّا دائمًا لانه محيّر دائمًا، إنه سرٌّ كبير، ليس بمعنى اللغز الرياضيّ، بل بمعنى أننا لا يمكننا فكّ كلّ أسرار حياته؛ بل نحن ندركه بالحبّ والعلاقة والألفة معه، وبالسير بحسب منطقه.

الحريّة تفترضُ أيضا قوّة داخلية للإستمرار في الأمانة، وهذا ما يسمّيه مرقس “سلطة” يسوع. الكلمة اليونانيّة “إكسُوسِيّا” تعني “ما يصدرُ من طبيعة الشخص العميقة”؛ لقد كان يسوعُ يعلّم كمَن له سلطان…”بسلطان ٍ يأمرُ حتى الأرواح النجسة” (مرقس 1 : 22) . ويقول لوقا “كانت تخرجُ قوة منه” ( 5 : 17).

موضوع الحريّة المسيحيّة هو أحد المواضيع السائدة في روحانيّة القدّيس بولس، بل في الروحانيّة المسيحيّة بأسرها، ولا نكون مخطئين إذا أضفنا أنه من المواضيع الأكثر عرضة ً إلى التجاهل، إن لم يكن إلى التشويه.  ولكن، لا بدّ من القول بإنه لا يوجد مسيحيّة حقيقيّة للذين لم يصلوا، في نيّتهم على الأقلّ، إلى ما يسمّيه بولس “حريّة أولاد الله ومجدهم” (روما 8 : 21). ومذهبُ القديس بولس (والإنجيل أيضاً) المتعلّق بالحريّة المسيحيّة يدعونا إلى أن ننظرَ إلى الأخلاق نظرة تتّجه بعكس ما تتّجه إليه الفكرة التي يكوّنها عن تلك الأخلاق الإنسان المسيحيّ الوسط.

Close Menu