موعظة الاحد الرابع من الصيف

الاحد الرابع من الصيف

هل نعي أن التكبر هو آفة خطيرة تُدمر المجتمعات الصغيرة (العائلة)، والكبيرة (الاوطان)

القراءات

الاولى من سفر ايشعيا (9 : 7 _ 16 ) تشير الى عدم استجابة الشعب لنداء الله واستمراره العيش في النفاق.

والثانية من الرسالة الثانية الى اهل قورنثية ( 10 : 1 – 8 ) تدعو الى بذل كامل للذات على مثال المسيح .

والثالثة من انجيل مرقس (7 : 1 – 8 ) تدعو الى تخطي المفهوم الضيق للحلال والحرام والعودة الى بساطة وصفاء العلاقة مع الله والناس .

تكمن مُفارقة الفصل التاسع من اشعيا، في ان الآيات الست الاولى منه، والتي نقرأها في عيد الميلاد، تقودنا إلى رجاء عظيم من خلال الآية المعروفة: “الشعب السالك في الظلمة ابصر نوراً عظيماً…“، بالاضافة إلى النظرة الرائعة لمٌستقبل بين احضان الله، فنتوقع من باقي آيات هذا الفصل أن تكون على هذه الشاكلة. ولكننا في الاحد الرابع من الصيف، ومع لهيب حر الصيف، نقرأ الايات (7-16) من ذات الفصل، والتي تقودنا للتفكير بلهيب نار الحروب، في قصيدة تخص مملكة الشمال (اسرائيل) في زمن عداوة بين اسرائيل ويهوذا، والتي قد تكون إما في السنة 739، وهو الزمن الذي كانوا يعدون فيه الحرب على آحاز (2 مل 15/37)، او في السنة 734، اي بعد تلك الحرب، حينما امست مملكة الشمال (اسرائيل) فريسة لأشور (2 مل 15/29).

هذه الحروب التي يتكلم عنها النبي نتجت عن خطيئة قديمة وهي: “الزهو والقلب المُتكبر“، لأفرائيم وسُكان السامرة (سكان ممكلة الشمال المُسماة في حينها بأسرائيل). ورغم الالم الناتج من الدمار، إلا ان يد الرب المٌتألم منهم تستمر قاسية عليهم، حتى بعد ان التُهمت المدينة، لأن الشعب لم يَتُب بعد، رغم كل ما يُقاسيه، ولم يتضرع لرب القوات، لذا فغضب الرب مُستمر على الشعب بكل اطيافه، وهذه الشمولية بالعقاب يتم تشببهها بقطع الرأس والذنب (اي الرؤساء والمرؤسين)، حيث ينوه النبي إلى خطأ كل فئات الشعب: المُرشِدون والمُرشَدون، وكانما به يُذكرنا بشفاعة ابراهيم لمدينة سدوم (تك 18/16-33)، حيث المُقايضة بين ابراهيم والرب التي تنازل من 50 باراً إلى 10 ابرار، ولكن المدينة ليس فيها ولا حتى 10 ابرار، فتكون النتيجة لكذا مدينة هو الهلاك. اننا بصدد الرب الذي لا يُهلك الابرار مع الاشرار بل يبحث عنهم ليُخلصهم من يد الاشرار ومن شر الاشرار، ولكن اين هم؟ لذا حينما نسقط في خضم الازمات، فلا يجب علينا ان نُلقي الاتهامات على بعضنا البعض، لاننا جميعاً متّهمون، فليس فينا ولا حتى (10) ابرار، فالكل مُتكبرويعتقد انه هو الصحيح والاخر هو الخاطيء، وخطيئة التكبر هذه هي التي اسقطت الانسان منذ القدم ولا زالت تُسقطه اليوم، ليتحمل هذا الحر، والتراب، وازمات مختلفة، تجعلنا نبكي وتجعل من يقودنا نحو السماء يبكي هو الآخر. وهنا انوه إلى  “اربعة فصول” او رسالة سُميت بـ”رسالة الدموع”، تكمن بين ثنايا الرسالة الثانية إلى اهل كورنثوس (الفصول 10-13).

من حيث انها رسالة الاب الذي يبكي بقلبه، لأنه يريد كل الخير لمن تربطه بهم صلة الابوة الروحية، وهذه الصلة هي التي تحثه وبشدة للدفاع عن نفسه بأسلوب قد يراه البعض قاسياً وصارماً، هذا الدفاع (عن خدمته الرسولية) هو الموضوع الذي سيستمر فيه القديس بولس إلى نهاية الرسالة، فيتجه إلى دعم الله له، لأن الله هو القادر على رد الاعداء المتكبرين، فيقول: “لكنه قادرٌ في عين الله على هدم الحصون” 10/4 (مقارنة بـ اش 2: 13-15). ان تدخل بولس الخشن في هذه الفصول الاخيرة جعل مناوئيه يتهمونه بأنه متواضع عن قرب وجريء عن بعد (10: 1)، إلا ان هذه النصوص مقترنة ببداية يربطها بوداعة المسيح وحلمه: “اناشدكم بوداعة المسيح وحلمه” (10/1)، والذي يُعد أول ذكر “لوداعة المسيح وحلمه” في العهد الجديد (اذا قارناه مع متى 11: 29 “احملوا نيري وتتلمذوا لأني متواضع القلب“، فأننا امام نص تاريخي أقدم من انجيل متى)، فكم هو غريب الرد على الاتهامات بكلمات الوداعة والحلم؟ انه اسلوب جواب العالم الذي يكون فيه يسوع مركزاً، لعالم يضع الحقد والغيرة جوهراً له. ومما هو جدير بالانتباه: اننا بصدد صراعات داخلية (داخل العائلة الواحدة – داخل الجماعة الواحدة التي آمنت بشخص يسوع المسيح)، ولسنا امام صراع بولس ضد اليهود او حتى جماعات اخرى غير يهودية، فالجماعة التي تنقسم على ذاتها تموت، ولكن بولس بحكمته المعتادة يقتلع شرّ الانقسام المُدمر، على مثال معلمه، ربنا يسوع المسيح حينما يُجيب على بعض معلمي الشريعة القادمين من اورشليم، بخصوص تلاميذه الذين لا يلتزمون بالتقاليد، فيضع مركزية للانسان، صُلب اهتمام الخالق، امام الحقد والغيرة التي تدمر اي عائلة واي مجتمع واحد.

Close Menu